محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
97
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
القربات ، وذلك يدخله في مقامات الرضا ويوصّله إلى غاية النعيم والعطاء ، كما أن توطينه عليه وتهاونه به من أعظم خطاياه وأكبر ذنوبه ، ويؤديه ذلك إلى تسخّط الأقدار والوقوع في دركات النار ، نعوذ باللّه من ذلك . ضاع لبعض الصوفية ولد صغير ، فلم يعرف له خبرا ثلاثة أيام ، فقيل له : لو سألت اللّه أن يرده عليك ، فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشدّ عليّ من ذهاب ولدي . وقال بعض السادة أذنبت ذنبا ، فأن أبكي عليه منذ ستين سنة ، وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب ، فقيل له : وما ذلك الذنب ؟ قال : قلت مرّة لشيء ليته كان ! ! » . وقال بعض السلف : « لو قرض جسمي بالمقاريض « 1 » كان أحبّ إليّ من أن أقول لشيء قضاه ليته لم يقضه » . وقال بعضهم : « مرض الجنيد ، رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : اللهم عافني ، فسمع هاتفا يقول : ما لك والدخول بيني وبين ملكي » . ومن مقتضياتها أيضا : أن يعلق بقلبه شيء من الاعتراض على المشايخ والأولياء ، وأن يترك تعظيمهم واحترامهم ، وأن لا يقبل إشاراتهم فيما يشيرون به عليه ، فقد قالوا : عقوق « 2 » الأستاذين لا توبة له . وقالوا أيضا : من قال لأستاذه لم ؟ لا يفلح . وقال أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه : « من صحب شيخا من الشيوخ ، ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة » . وإن بقي من أهل السلوك قاصد لم يصل إلى مقصوده فليعلم أن موجب حجبه اعتراض خامر قلبه على بعض شيوخه في بعض أوقاته ؛ فإن الشيوخ بمنزلة السفراء « 3 » للمريدين ، قال وفي الخبر : إن الشيخ في أهله كالنبيّ في أمّته ، وكذلك من سوء أدبه تصدّره للتعليم والهداية ، وتصدّيه للأمر والولاية ، ومحبته للاستتباع والرياسة وتربيته للجاه والحشمة والقبول بين الناس ، واستدعاؤه بسرّه أن يكرم ويعظّم ويتبرّك به وتقبّل يده ويسارع في قضاء حوائجه ، وذلك من أضرّ الأشياء به ، وهو نتيجة استحسانه لما هو عليه ، وعدم تفقّده لعيوبه ، واتهام نفسه في كل حال من أحواله ، وذلك مذموم منه .
--> ( 1 ) المقاريض : ( ج ) مقراض : المقص وهو ما يقرض به الثوب أو غيره . ( 2 ) عق الولد أباه : عصاه وسق عصا طاعته ، وقطعه وترك الإحسان إليه . ( 3 ) السفراء ( ج ) سفير : المصلح بين القوم .